محمد بن علي الشوكاني

5512

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

الضلال إلى أنوار الهداية ، وأمر بأن يطلبوا منه الهداية ليظفروا بها بخير الآخرة ، ويفوزوا بالنعيم المقيم . ثم ذكر لهما ثالثًا : أن ما يحتاجون إليه في هذه الدار مما تدعو الضرورة إليه ولا يتم المعاش إلا به ، وهو قوام الأنفس من الطعام ووقاية الأبدان من ضرر ما لا بد منه البر وستر العورات ، وهو من فضله العميم وجوده الواسع ، وأمرهم أن يطلبوا ذلك منه ليتفضل به عليهم ويعطيهم طلبتهم ، ويسعفهم بقضاء حاجتهم . ثم ذكر لهم : ما جلبوا عليه من كثرة الخطايا في غالب أوقاتهم ، وندبهم إلى ما يمحو ذلك عنهم ، ويزيل أثره ، وهو الاستغفار ، ووعدهم أنه سيغفر لهم ويتجاوز عنهم ، ثم ذكر لهم : أنه فعل ما فعل لهم وتفضل بما تفضل به عليهم من غير أن يكون له منهم فائدة أو عليه مضرة ، وأنه إنما أعطاهم ما أعطى ومنحهم ما منح لمجرد الفضل العميم والكرم الجسيم . ثم أخبرهم : بأن عطاه الجم وتفضله العم لا ينقص بكثرة العطايا ، وإن يلعب أبلغ المبالغ ووصلت إلى حد يقصر عنه الوصف ، ويضيق الذهن عن تصوره ، وتقصر العقول عن إدراكه . ثم بعد هذا كله : أخبرهم بأن ما وجدوه من الخير فهو من إنعامه عليهم لا من كسبهم ولا من سعيهم ، ثم أمرهم : بالحمد له سبحانه عليهم ، وما وجدوه من غير الخير فهو عقوبة أعمالهم وجزاء ضلالهم ، فليعودوا باللوم على أنفسهم في الجالبة لذلك عليهم ( وعلى نفسها براقش تجني ) ( 1 ) ، ولولا رحمته التي وسعت كل شيء ، ومغفرته للمستغفرين ، وتوبته على التائبين ، لكانوا أحقاء بما كان لأعمالهم جزاء وفاقا ، ولكسب أيديهم مثلا طباقا ، وسبحان من كتب على نفسه الرحمة ، ومن سبقت رحمته غضبه ، وما في هذا الحديث القدسي هو مثل ما في الكتاب العزيز من قوله عز وجل : { مَا

--> ( 1 ) تقدم شرح المثل .